الشيخ محمد هادي معرفة
129
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
إنجيله هو نفس النازل على المسيح عليه السلام ، فقد بدأ إنجيل « متّى » بقوله : « كتاب ميلاد يسوع المسيح » . ويبدأ إنجيل « مرقس » بقطعة زعمها من إنجيل المسيح ، ثمّ يتبعها بذكر أحواله منذ قدومه من ناصرة الجليل . ويبدأ إنجيل « لوقا » بما هو صريح في أنّه كتاب سيرة ، يقول : إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصّة في الأمور المتيقّنة . . . رأيت أنا أيضا ، إذ قد تتبّعت كلّ شيء من الأوّل بتدقيق أن أكتب على التوالي . . . ثمّ يذكر قصّة المسيح . وإنجيل « يوحنّا » يبدأ بنفسه ثمّ يعرّج إلى ظهور المسيح والإيمان به . كلّ ذلك لدليل على أنّها كتبت خصيصا في بيان شخصية المسيح الرسالية . وفيها بعض الاختلاف أو الاختلاق الناشئ عن اشتباه الكاتب أو اختلاف الرواة . « 1 » إذن فأين صار الإنجيل النازل على المسيح عليه السلام ؟ والظاهر أنّ النازل على عيسى المسيح كانت هي التعاليم والبشارات التي قام بها أثناء رسالته إلى الملأ ، فحفظ منها الحواريون ما حفظوا ونقلوها إلى من بعدهم ، وهكذا دواليك ، حتى سجّلت ضمن الأناجيل المعروفة . قال الأستاذ النجّار : والقدر الذي وصل إلى العالم من تلك الأناجيل من الجمل والأمثال والنصائح - المقتطفة ممّا نطق به المسيح من العظات والحكم - يتضمّن حثّ الناس على توحيد اللّه تعالى واختصاصه بالعبادة والإخلاص في طاعته والعمل بأوامره واجتناب نواهيه وحسن المعاملة بين الإنسان وأخيه ، وهكذا من الأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة . ولم يكتب شيء من هذه الأناجيل في زمانه ولكن بعد انتهاء أمر المسيح قام بعض التلاميذ وتلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم وكتبوا قصصا كثيرة . وكلّ واحد يسمّي ما كتبه « إنجيلًا » . حتّى لقد قيل : إنّ الأناجيل بلغت نيفا ومائة إنجيل . ثمّ اختارت الكنيسة من بينها القصص التي لا تتعارض مع نزعتها ، ولم تكترث لما بين مضامينها من التخالف والتناقض ، ما دام ذلك لا يخالف المنزع العام الذي قصدته الكنيسة . والأناجيل جميعها منقطعة السند ، ولا توجد نسخة إنجيل بخطّ تلميذ من تلاميذ
--> ( 1 ) - راجع ما حقّقه العلّامة فخر الإسلام في موسوعته أنيس الأعلام ، ج 2 ، ص 125 .